السيد محمد تقي المدرسي

73

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

ترى العين ولكن عبر المرآة . فهو حين يقول لم أكن عالما فعلمت أو يقول كنت جاهلا فأعطاني الله تعالى العلم شيئاً فشيئاً فتعلمت ، إنما يصل إلى العلم بالعلم . فالعلم اذاً يكشف نفسه ويتعمق في ذاته ويغور فيها فينكشف بذاته لذاته ، وهذه الحقيقة من خصائص العلم ، وكل تعريف غير هذا للعلم يبعدنا أكثر فأكثر عن العلم نفسه . العلم من آيات الله : ان العلم آية من آيات الله ، واسم من أسمائه ، وخلق من خلق الله مملوك لله سبحانه وتعالى ، يعطيه متى شاء بقدر ما يشاء لمن يشاء . والانسان لا يمكنه معرفة العلم والإحاطة به ، بل وحتى لا يمكنه توهم العلم أو وصفه إلا أن يشاء الله سبحانه ، فإنه بطريقة أولى لايستطع ان يحيط علما بالله رب العلم وخالقه . وقد يتساءل المرء : وهل يمكننا ان نعتقد بشيء لا نراه ولا نحيط به علماً ؟ لكننا في معرض الإجابة عن هذا التساؤل نقول : إن خصائص العلم هي التي تكشف عن ذات العلم ، إذ الانسان حين يعتقد انه عاقل أو عالم مثلا ، إنما يعترف ويذعن بوجود العقل ، والعلم من آياته ومن دلائله ، فتراه يتساءل : إذا لم أكن عاقلًا فسوف أقوم بحركات غريبة ملفتة للأنتباه خارجة عن المعقول ، وإن لم أكن عالما فكيف اهتدي ؟ وكيف أعرف طريقي ؟ وكيف وكيف ؟ اذن فآيات العلم وخصائصه وصفاته تكشف فقط عن ذات العلم بينما تعجز عن أن تكشف كنهه ، كذا آيات الله تعالى انما توضح وتكشف للانسان وجوده جل وعلا دون ان يعرف الانسان كنه خالقه أو ان يحيط بذات الله الخبير العليم ، بل الانسان بما لديه من العلم الموهوب عاجز عن الإحاطة بمخلوقات الله الملك